موقع مصحف قطر
    الفكرة والمشروع  فكرة مصحف قطر  
تدوين القرآن الكريم...رحلةٌ عبر الزمن (2)

  19-04-2011اضغط على الصورة لعرضها بالحجم الطبيعي

يختلف الدور الذي قام به الخليفة الراّشد أبو بكر الصدّيق عمّا قام به أخوه عثمان بن عفان رضي الله عنهما بالقدر الذي يختلف فيه معنى "جمع القرآن" الذي قام به كلاهما، فالأوّل قام بتنسيق الوثائق التي حصل عليها لكل سورة، وجعل آياتها مرتبة، مقتصراً في ذلك على ما لم تنسخ تلاوته، وكان الغرض منه تسجيل القرآن وتقييده بالكتابة ومجموعاً مرتباً خشية ذهاب شيء منه بموت حملته وحفّاظه، بحيث تكون هذه الوثائق مرجعاً للحفّاظ يرجعون إليه عند الاختلاف، فيكون إطلاق وصف المصحف عليه إطلاقاً مجازياً.

وأما الجمع الذي حصل في عهد عثمان رضي الله عنه فقد كان عبارة عن نقل ما في تلك الصحف في مصحف واحد جامع، ثم استنساخ نسخٍ من المصاحف حتى تُرسل إلى أصقاع الأرض ومختلف الأقاليم الإسلامية، ملاحظاً فيها تلك المزايا التي امتاز بها مشروع جمع القرآن السابق، ومضيفاً إليها ترتيب سوره وآياته جميعاً.
 
وقد كان السبب الرئيس من قيام الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه بجمع المصحف هو إطفاء الفتنة التي استعرت نيرانها بين نفرٍ من المسلمين حين اختلفوا في أوجه قراءة القرآن، ومنشأ هذا الاختلاف من دخول اللحن من الأعاجم الذين دخلوا في الإسلام أفواجاً واختلطوا بالناس، فأراد عثمان رضي الله عنه ومن معه من الصحابة الكرام أن يستأصلوا الشرّ من جذوره، وأن يسدّوا جميع منافذ الفتنة التي قد تحصل بين الناس، واستقرّ الرأي على جمع الناس على مصحف إمام تجتمع عليه الكلمة، وتكون إليه المرجعيّة عند الاختلاف والافتراق، وتمّ ذلك بحمد الله، وحفظ الله كتابه من التغيير والتبديل.
 
ويصوّر لنا الإمام الزرقاني ما حدث تصويراً دقيقاً في كتابه مناهل العرفان حيث قال: " اتسعت الفتوحات في زمن  عثمان، وتفرّق المسلمون في الأمصار والأقطار، ونبتت ناشئة جديدة كانت بحاجة إلى دراسة القرآن، وطال عهد الناس بالرسول -صلى الله عليه وسلم- والوحي والتنزيل، وكان أهل كل إقليم من أقاليم الإسلام يأخذون بقراءة من اشتهر بينهم من الصحابة، فأهل الشام يقرؤون بقراءة أبي بن كعب رضي الله عنه، وأهل الكوفة يقرؤون بقراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وغيرهم يقرأ بقراءة أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، فكان بينهم اختلاف في حروف الأداء ووجوه القراءة بطريقة فتحت باب الشقاق والنزاع في قراءة القرآن أشبه بما كان بين الصحابة قبل أن يعلموا أن القرآن نزل على سبعة أحرف، بل كان هذا الشقاق أشدّ لبعد عهد هؤلاء بالنبوة وعدم وجود الرسول بينهم، يطمئنون إلى حكمه ويصدرون جميعا عن رأيه، واستفحل الداء، وكادت أن تكون فتنة في الأرض وفسادا كبيرا..أضف إلى ذلك أن الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن لم تكن معروفة لأهل تلك الأمصار، ولم يكن من السهل عليهم أن يعرفوها كلها حتى يتحاكموا إليها فيما يختلفون، إنما كان كل صحابي في إقليم يقرئهم بما يعرف فقط من الحروف التي نزل عليها القرآن، ولم يكن بين أيديهم مصحف جامع يرجعون إليه فيما شجر بينهم من هذا الخلاف والشقاق البعيد.
 
لهذه الأسباب والأحداث رأى  عثمان رضي الله عنه بثاقب رأيه وصادق نظره أن يتدارك الخرق قبل أن يتسع على الراقع، وأن يستأصل الداء قبل أن يعز الدواء، فجمع أعلام الصحابة وذوي البصر منهم وأجال الرأي بينه وبينهم في علاج هذه الفتنة، ووضع حدا لذلك الاختلاف وحسم مادة هذا النزاع، فأجمعوا أمرهم على استنساخ مصاحف يُرسل منها إلى الأمصار، وأن يؤمر الناس بإحراق كل ما عداها، وألا يعتمدوا سواها، وبذلك يرأب الصدع ويجبر الكسر، وتعتبر تلك المصاحف العثمانية الرسمية نورهم الهادي في ظلام هذا الاختلاف، ومصباحهم الكشاف في ليل تلك الفتنة، وحكمهم العدل في ذاك النزاع والمراء، وشفاءهم الناجع من مصيبة ذلك الداء ..
 
وبعد أن أتم عثمان رضي الله عنه نسخ المصاحف بالصورة السابقة عمل على إرسالها وإنفاذها إلى الأقطار، وأمر أن يحرق كل ما عداها مما يخالفها سواءً كانت صحفاً أم مصاحف؛ وذلك ليقطع عرق النزاع من ناحية، وليحمل المسلمين على الجادة في كتاب الله من ناحية أخرى، فلا يأخذوا إلا بتلك المصاحف التي توافر فيها من المزايا ما لم يتوافر في غيرها، وهذه المزايا هي :
 
 1- الاقتصار على ما ثبت بالتواتر دون ما كانت روايته آحاداً.
2- وإهمال ما نسخت تلاوته ولم يستقر في العرضة الأخيرة .
 3- وترتيب السور والآيات على الوجه المعروف الآن بخلاف صحف أبي بكر رضي الله عنه فقد كانت مرتبة الآيات دون السور .
4- وكتابتها بطريقة كانت تجمع وجوه القراءات المختلفة والأحرف التي نزل عليها القرآن من عدم إعجامها وشكلها،ومن توزيع وجوه القراءات على المصاحف إذا لم يحتملها الرسم الواحد.
 5- وتجريدها من كل ما ليس قرآنا كالذي كان يكتبه بعض الصحابة في مصاحفهم الخاصة شرحاً لمعنى أو بياناً لناسخ ومنسوخ أو نحو ذلك .
 
وقد استجاب الصحابة لعثمان فحرقوا مصاحفهم، واجتمعوا جميعا على المصاحف العثمانية، وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً، ورضي الله عن عثمان فقد أرضى بذلك العمل الجليل ربه، وحافظ على القرآن، وجمع كلمة الأمة، وأغلق باب الفتنة، ولا يبرح المسلمون يقطفون من ثمار صنيعه هذا إلى اليوم وما بعد اليوم . انتهى من مناهل العرفان بتصرّف.
 

 

http://www.islamweb.net/mushafqatar/